يواصل الدولار الأسترالي صعوده أمام نظيره الأميركي، بعد فترة من التراجع الحاد العام الماضي. فبعد أن هبط إلى حدود 60 سنتاً أميركياً عقب إعلانات الرسوم الجمركية التي أطلقها الرئيس الأميركي ترامب شهر أبريل الماضي، عاد الدولار الأسترالي ليرتفع ويستقر حالياً عند مستوى يقارب 71 سنتاً أميركياً، مسجلاً أعلى مستوياته منذ نحو ثلاث سنوات.
لا ينعكس هذا التحسن على المسافرين الأستراليين الباحثين عن عطلات أقل كلفة في الخارج فقط ، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات اقتصادية أوسع داخل البلاد، وسط تساؤلات عن أسباب هذا الصعود ومدى استمراره خلال الفترة المقبلة.
ما سبب ارتفاع الدولار الأسترالي؟
هناك عدة عوامل تفسّر الأداء القوي للعملة الأسترالية في عام 2026:
1-ضعف نسبي في الدولار الأميركي
رغم التصريحات التي تقلل من شأن ذلك، فإن الدولار الأميركي تراجع بنحو 15% عن ذروته المسجلة في منتصف 2022.
ويرى محللون أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الأميركية دفعت بعض المستثمرين إلى تقليص أصولهم بالدولار، ما أضعف العملة الأميركية نسبياً.
2-فروق أسعار الفائدة
أقدم “Federal Reserve” على خفض أسعار الفائدة، مع توقعات بمزيد من التخفيضات خلال العام. في المقابل، اتجه “Reserve Bank of Australia” إلى تشديد السياسة النقدية، أو على الأقل الحفاظ على مستويات مرتفعة نسبياً.
جعلَ هذا الاتساع في فجوة أسعار الفائدة بين البلدين الأصول الأسترالية أكثر جاذبية، ما دعم الطلب على الدولار الأسترالي ويعزز قيمته.
3-ارتفاع أسعار السلع الأساسية
تاريخياً، يستفيد الدولار الأسترالي من ارتفاع أسعار السلع، نظراً لاعتماد الاقتصاد المحلي على تصدير المعادن والموارد الطبيعية. ومع صعود أسعار هذه السلع في الأسواق العالمية، تعززت مكانة العملة الأسترالية أيضاً.
4-مؤشر سعر الصرف التجاري (TWI)
بلغَ مؤشر سعر الصرف التجاري، الذي يقيس أداء الدولار مقابل العملات ، أعلى مستوياته في خمس سنوات، ما يعكس قوة العملة ليس فقط أمام الدولار الأميركي، بل أمام عملات رئيسية أخرى كذلك.
هل سيستمر الدولار الأسترالي في الصعود؟
من الصعب الجزم بمسار العملة في الأشهر المقبلة، لكن تشير معظم التقديرات إلى أن العودة إلى مستويات 60 سنتاً أميركياً تبدو مستبعدة حالياً. في المقابل، لا يتوقع المحللون عودة سريعة إلى مستويات التعادل مع الدولار الأميركي كما حدث مطلع العقد الماضي.
تشير بعض التقديرات إلى أن “القيمة العادلة” للدولار الأسترالي تقارب 0.72 دولار أميركي، أي قريبة من مستواه الحالي. ومع ذلك، فإن زخم السوق قد يدفع العملة مؤقتاً إلى نطاق 0.75–0.80 دولار أميركي، وإن كان من غير المرجح أن تستقر عند هذه المستويات لفترة طويلة.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد الأسترالي؟
- مكاسب للمسافرين والمستوردين
يمنح ارتفاع الدولار الأستراليين قدرة شرائية أكبر في الخارج، سواء للسفر أو التسوق الإلكتروني أو التعليم الدولي. كما تستفيد الشركات التي تعتمد على استيراد السلع والمواد الخام، إذ تنخفض كلفة الواردات.
- تحديات للمصدرين
تصبح السلع والخدمات الأسترالية أكثر تكلفة للمشترين في الخارج ما قد يؤثر سلباً على تنافسية الصادرات.
- تأثير محتمل على التضخم
يتمثل أحد أبرز الجوانب الإيجابية في تأثير العملة القوية على التضخم. فحوالي 35% من سلة التضخم في أستراليا تتكون من سلع “قابلة للتداول” تتأثر بالأسعار العالمية وسعر الصرف.
وإذا استمر الدولار الأسترالي قوياً، فمن المرجح أن تتباطأ وتيرة ارتفاع أسعار هذه السلع، ما قد يخفف من الضغوط التضخمية ويقلل الحاجة إلى زيادات إضافية في أسعار الفائدة.
في النهاية، تبقى تحركات العملات رهناً بتوازنات دقيقة بين السياسة النقدية والثقة الاقتصادية العالمية، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن الدولار الأسترالي يعيش إحدى أقوى مراحله منذ سنوات.